ازداد في الفترة الأخيرة شغف الجميع واهتماماتهم بمواقع التواصل الاجتماعي، والتي يعرفها البعض بالإعلام الجديد. وإن كانت مواقع الفيسبوك والتويتر واليوتيوب هي أكثرها شهرة، إلا أنه يوجد العشرات منها. ومن خلال هذه المواقع يتم نقل الصورة والكلمة والأحداث، بل المشاعر والأحاسيس والأفكار. وتستخدم هذه المواقع كذلك لنشر القرارات والتعليمات من الجهات الرسمية، فلم تعد فقط تستخدم من الأشخاص، بل أصبحت كل الدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية وحتى العسكرية منها تتسابق في حجز مكانها في هذا العالم الافتراضي الجديد، وذلك لسببين بسيطين وهما سهولة وسرعة الانتشار. ورغم عدم حداثة هذه المواقع إلا أن انتشارها زاد في العالم العربي مع ثورات الربيع العربي. وهنا لا بد من التطرق إلى بعض نقاط بجب أخذها في الحسبان عند التعامل مع هذه المواقع، وذلك للاستفادة من إيجابياتها والحد من سلبياتها قدر الإمكان، فالمعروف أن أي اختراع أو ابتكار أو أي منتج إلا وله سلبيات، حتى الدواء له آثار جانبية. لقد جعلت هذه المواقع العالم بين يديك، وبكل سهولة تتبادل الأفكار والمعلومات والبيانات مع أي شخص أو جهة بمجرد الضغط على زر إدخال في لوحة الحاسوب، أو من خلال الهواتف الذكية. وهذا يعني ضرورة وأهمية انتقاء مع من تتواصل، فالأفضل أن تعمل مشاركة مع من يمكن أن يؤثر فيك أو تؤثر به إيجاباً. وكذلك توخي الحيطة في نشر خصوصياتك، والأخطر في هذا المجال الصور، وتحديداً العائلية منها. بالإضافة إلى انتقاء الكلمات المناسبة والمعبرة عن شخصيتك، فهذه المشاركات تولد انطباعاً عنك وعن ميولك وعن اهتماماتك، وإن كان في الغالب يبدو الأشخاص في هذه المواقع بصورة أفضل من الواقع. وقد يصاب العديد من مستخدمي هذه المواقع بالإدمان عليها، لذا فعليهم تخصيص أوقات محددة لها، بحيث لا تطغى على حياة الشخص، وللأسف فقد أثرت عند البعض على التواصل الاجتماعي الحقيقي، وهذا يحتاج إلى معالجة وتوازن. ولأهمية هذه المواقع تجد أن معظم رؤساء الدول والمسؤولين الرسميين لهم حسابات خاصة إما يديرونها شخصياً أو يكلفون طاقماً متخصصاً بذلك، وللأسف في واقعنا المحلي لم يصل الاهتمام الرسمي بها إلى الدرجة المطلوبة، وهنا أدعو الإخوة الوزراء والمسؤولين إلى تسخير هذه النوافذ للتواصل مع الجميع، فبذلك نكون أقرب من قاعدة المجتمع. وفي مقال سابق ذكرت أن الشباب الفلسطيني استغل هذه المواقع استغلالاً جيداً في حجارة السجيل لتوصيل الحقيقة للعالم، ورغم ذلك ما زلنا بحاجة إلى أن يساهم الشباب من خلال هذه المواقع في التنمية المجتمعية والقضايا الوطنية بصورة أكبر، فهم أقدر من غيرهم بتسخير قدراتهم في التواصل مع العالم، وحبذا لو كان ذلك بأكثر من لغة. وهناك تنويه لا بد من تذكير الجميع به وهو عدم مشاركة قادة العدو حساباتهم أو الرد عليهم مباشرة، ورغم ثقتنا بالشباب، إلا أن الاحتلال لن يتورع عن استخدام أي وسيلة للإيقاع بالشباب، وهناك فرق بين أن تعرف ماذا يكتبون وكيف يفكرون وأن تعمل مشاركة معهم، فالبعد عن ذلك أفضل وتركه لذوي الاختصاص أجدر. قضية أخرى لا بد أن تكون واضحة للجميع، أنه ليس كل ما ينشر صحيح وصادق، فهناك الكثير من الإشاعات والأكاذيب التي يجب أن يتم مكافحتها. وليعلم الجميع أن إعادة نشر أي مشاركة تعني قبولك وتصديقك لما جاء فيها، فإن كانت كاذبة أو فيها تحريض معين فإنك بنشرها تساعد على ذلك. وكذلك أدعو الجميع إلى عدم استخدام صور غير لائقة، حتى لا تساهم في نشر الرذيلة، وأدعو الأخوات بالتفكير مرتين بنشر صورهن الشخصية، وإن كان لا بد فلتكن صوراً مقبولة ومناسبة. نصيحة أخيرة لا بد من التطرق إليها ألا وهي الانتباه إلى الخلوة الإلكترونية، فلا تدعو الشيطان يدخل إليكم من هذه النافذة وأنتم لا تدرون، مهما كانت نواياكم طيبة من هذا التواصل الخاص والمباشر. أمور عديدة ممكن أن تكتب في هذا المجال، ليس بآخرها أننا مع أنفسنا مع أهلنا مع شعبنا بحاجة دائماً إلى... تواصل...
الخميس، 22 أغسطس 2013
الاثنين، 19 أغسطس 2013
قدوة
أياماً وليالي عشناها على أعصابنا، وما زلنا، ونحن نتابع ما يجري في الساحة العربية، وخصوصاً في ميادين العزة والكرامة، وتحديداً ميدان رابعة وميدان النهضة. أياماً سطر فيها رجالات مصر الطاهرون الصابرون المرابطون الأبرار أسمى معاني التضحية والعطاء والإخلاص والتجرد والثبات والعفة والإيثار والكثير من المعاني والقيم والأخلاق النبيلة والحميدة، والتي كنا نقرأها في الكتب والرسائل والأدبيات وغيرها، ولكننا رأيناها من خلال شاشات التلفاز التي تمسمرنا أمامها لساعات وساعات ونحن نرى هذه القيم تتجسد على أرض الواقع وحقيقة تسري بين الجميع. قرأنا العديد من القصص والحكايات عبر مواقع التواصل الاجتماعي مما ذكرتنا بعهد الصحابة وبعهد الخلافة الإسلامية. لم نسمع خلال ما يزيد عن ستة وأربعين يوماً عن حادثة واحدة من حوادث السرقة أو التحرش أو الخلاف أو العراك، رغم تنوع المشارب والتوجهات، بل بالعكس كل ما نقل من أحداث وصور يدلل على أننا نعيش في أجواء المدينة الفاضلة فيها التكامل والتظافر والتكافل والتآلف. وما رأينا إلا حسن الإدارة والقيادة والتنظيم والطاعة. الجميع يعمل في تناغم وتفاهم، الجميع يعرف هدفه ويعرف واجباته، لا ينتظر التعليمات، بل يبادر ليكون قدوة لغيره. وفي المقدمة ترى القادة في الصف الأول، لا يتأخرون ولا يتخلفون، بل هم من يقودون الفعاليات هم وأبناؤهم وبناتهم. أجواء بعثت فينا الأمل وأحيت فينا الروح وأكدت أن الأمة بخير وبخير كبير. ما أجملها من لقطات وأنت ترى النساء بجانب الرجال، والشيوخ بجانب الشباب، كلهم يد واحدة وعلى قلب رجل واحد. واصلوا الليل بالنهار رغم الحر الشديد، فنحن في أشهر الصيف، ورغم العطش والجوع لأننا كنا في شهر رمضان، ورغم ذلك صدحت جنبات الميادين بهتافات حضارية وبخطابات راقية وبشعارات معبرة، والأهم بأيدي مرفوعة إلى السماء، وبقلوب موصولة بخالقها، وبألسنة لم تمل ولم تكل من ذكر الله. هذا هو واقع المعتصمين خلال فترة اعتصامهم كلها، وكما قال عنهم رئيس الوزراء التركي أردوغان أنهم سطروا أروع معاني الصمود والإنسانية والمقاومة السلمية بالصبر والثبات والاحتساب رغم الصوم والحر الشديد. وبلا شك أن الإيمان بعدالة المطالب وبشرعيتها وبأحقيتهم فيما يريدون هو الدافع وراء الصمود الأسطوري طوال هذه المدة. صمود صاحبه تطبيق عملي وواقعي وميداني لكل ما تعلمه هؤلاء الرجال خلال سنوات عديدة مضت، فنعم التربية كانت ونعم التطبيق. وتواصلت القدوة الحسنة في تصرفات وأفعال هؤلاء الرجال حتى في أحلك الظروف، حتى في ذلك اليوم الأسود الرابع عشر من أغسطس، الذي سيسجل التاريخ أنه في هذا اليوم سقط كل شئ إلا الشهداء الذين ارتقوا إلى عليين بعد أن صمدوا أمام المدرعات والمروحيات والمجنزرات، صموداً لا يقدر عليه إلا أصحاب العقيدة الراسخة والقلوب الموصولة بالله وأصحاب الرسالة القويمة، صموداً لا يقدر عليه إلا من تربى على موائد القرآن. ارتقى منهم من اصطفى رب العالمين، وأصيب العديد بطلقات الحقد والعار، ورغم ذلك لملموا جراحهم، وكفكفوا دموعهم، شيعوا موتاهم وواصلوا المشوار، ليستمروا في التضحية والثبات والعطاء. ما أعظمكم من رجالات، فمهما قيل في حقكم فهو قليل، ومهما كتب عنكم فلن يوافيكم حقكم. سامحونا يا خيرة البشر إن قصرنا بحقكم، فأنتم تستحقون منا الكثير الكثير، وحقكم علينا كبير، ولكن لا نملك إلا الدعاء، وما أعظمه من سلاح. وفقكم الله، أعزكم الله، أيدكم الله، ثبتكم الله، نصركم الله. يا رجالات مصر: هنيئاً للأمة بكم، كنتم وما زلتم وستبقون بالنسبة لنا ولجميع الأحرار والثوار خير... قدوة...
======================
أسماء يا طفلتي الجميلة نامي
نامي في أمان
سنواصل المسير رغم الجراح رغم الأحزان
لا يا حبيبتي ما في خدك ليس جرح من رصاصات الطغيان
إنما هي زهرة تفتحت في خدك الوردي كالأقحوان كالأرجوان
أسماء لم جسدك وعيناك باردتان
نامي طفلتي لأغمرك بحبي وعشقي والحنان
فيعود شعرك المتموج يداعبني وعيناك الزيتونيتان
أسماء نامي فرفافك قادمون من رابعة من النهضة من كل ميدان
ليشاركوا في زفافك في جنات ربنا الرحمان
الجمعة، 16 أغسطس 2013
هجرة
احتفلت الأمم المتحدة في الثاني عشر من هذا الشهر بيوم الشباب العالمي، ولقد تطرقت في مقالات سابقة إلى الشباب ودورهم في المجتمع، وكيفية الاستفادة منهم والوقوف بجانبهم، فهم في نفس الوقت غاية ووسيلة، غاية بحيث يجب الاهتمام بهم وتوجيههم وتلبية احتياجاتهم ومتطلباتهم، والعمل على تحقيق أهدافهم وتطلعاتهم، ووسيلة فهم الفئة الأكبر من المجتمع، وهم عماده ورافعته الحقيقية نحو النهضة والتنمية والتطور والتقدم والرقي والازدهار، فهم نبض الأمة وسواعدها، ولم لا عقولها المفكرة، الذين يجب أن يكون لهم دور بل دور أساس في كل الأمور الحياتية دون استثناء، ليس فقط في التنفيذ وحسب، بل كذلك في التفكير والتخطيط والإدارة والتسويق. وباختصار لن ينهض المجتمع إلا بنهضتهم وبهممهم. وهنا أدعو الشباب والمسؤولين إلى مراجعة مقال (الشباب الذي نريد)، ومقال (الشباب والمشاركة الفعالة)، ومقال (أيها الشباب تهانينا)، عسى أن يساهم ما جاء فيها في وضع نقطة في خارطة الطريق التي نريد لخدمة الشباب بل المجتمع. ولقد رفعت الأمم المتحدة هذا العام شعار (هجرة الشباب ودورهم في التنمية)، وفي رسالته بهذا الخصوص يقول الأمين العام للأمم المتحدة: (من المهم التأكيد على المساهمة الإيجابية للمهاجرين الشباب للمجتمعات اقتصاديا وبإثراء النسيج الاجتماعي والثقافي. فكثير منهم يعملون بجد لكسب لقمة العيش وتحسين ظروفهم. وتعد التحويلات التي يرسلونها إلى أسرهم في مواطنهم مساهمة رئيسية في الاقتصاد العالمي). وهنا نقول أن الكثير من البلدان مثل كندا وأمريكا تشجع هجرة الشباب إليها، ليقينهم بالدور الفعال والمساهمة البناءة لهؤلاء الشباب في تقدم العجلة الاقتصادية، وذلك للمزايا المتوفرة لدى الشباب من همة وأقدام وجرأة وحماس ودافعية، وكل ذلك إن استغل بصورة إيجابية سيعود بالنفع الأكيد على هذه المجتمعات. وواقعنا الفلسطيني يقول أنه في السبعينات وما بعدها ساهم المغتربون في بناء المجتمعات التي تواجدوا فيها، وكذلك دعموا صمود أهلهم المرابطين في فلسطين. ولكن استمرار هذا الأمر لمدة طويلة قد يؤدي إلى سلبيات كبيرة، ومن تغرب يعرف المقصود. ويبدأ الشاب في فلسطين التفكير بالسفر والغربة وربما بالهجرة بعد مرحلة الثانوية العامة، ظناً منه بأن الفارق في المستوى الأكاديمي كبير، ولكن الواقع يقول بتقارب هذا المستوى، فبالتالي لا مكان لهذا التفكير. وبقاء الشاب في وطنه وبين أفراد مجتمعه ضروري جداً، وخصوصاً أن هذه أهم مرحلة في تكوين شخصيته، وغربته أو هجرته قد تؤدي إلى انبهاره التام بالواقع الغربي وتقدمه في عدة مجالات وخصوصاً في القطاع التكنولوجي وفي قطاعات أخرى قد تؤدي بسبب إعجابه الشديد إلى تقمص شخصية مخالفة لنسيجه المجتمعي ومبادئه وقيمه. ويزداد هذا الأمر سوءاً إن كانت ثقافة هذا الشاب سطحية ومعرفته بحضارته وبدينه بسيطة، فيصبح من السهل أن يفقد كينونته، بل ربما يبدأ بنعت مجتمعه بالجهل والتخلف. وتزداد رغبة الشاب بالهجرة بعد تخرجه من الجامعة وعدم حصوله على فرصة عمل مناسبة، وهنا لا بد من التنويه على أن السفر للعمل لمدة محدودة يختلف عن الهجرة بصورة كبيرة جداً. فالأول لا بأس به عند الحاجة، وأما الثاني فتأكدوا أنه مع الزمن يحول حياة المهاجر إلى جحيم، وخصوصاً مع تقدمه في السن وزواجه وتربية أبنائه وخصوصاً الإناث منهم، حيث سينشأون في بيئة مختلفة جداً عن البيئة التي يتمناها لفلذات كبده، فتبدأ المعاناة ويبدأ الكبت ويبدأ القهر، ومهما وصل من مكانة فسيبقى يشار له بالأجنبي، هذا ناهيك عن محاولات الاستغلال في البداية والامتهان وغيرها من سلبيات. ولو تم توجيه سؤال للذين هاجروا عن وضعهم، فسيقولون جحيم الأوطان ولا نعيم الغربة، ولسان حاله يردد: بلادي وإن جارت علي عزيزة...وأهلي وإن ضنوا علي كرام... بلادي وإن هانت على عزيزة ...ولو أنني أعرى بها وأجوع. وعودة على ذي بدء نؤكد أن للشباب حقوق في أعناقنا يجب أن نؤديها على أكمل وجه، وذلك لن يكون إلا بخطة وطنية متكاملة تشمل مؤسسات الحكومة ذات العلاقة ومؤسسات المجتمع المدني المتعددة والشباب أنفسهم، وذلك حتى يقوموا بواجباتهم تجاه مجتمعهم بصورة فعالة، فبلدهم أحق بهم وبالاستفادة من قدراتهم وإمكاناتهم، وحتى ينزعوا من تفكيرهم شيئاً اسمه... هجرة...
الاثنين، 12 أغسطس 2013
قريب
تقبل الله طاعاتكم، وكل عام وأنتم بخير. مع انتهاء شهر رمضان ندعو الله تعالى أن يكون قد غفر لنا ذنوبنا، وأن يكون قد كتبنا من المعتوقين من النار، ومن الذين شملهم برحمته. أيام مرت مسرعة إلى باريها، وكأنها مستعجلة لتحمل ما سجلته من أعمال وأحداث ومواقف، لتكون شاهدة علينا يوم القيامة. هي أيام مباركة تضاعفت فيها الحسنات، فالفائز فيها من حصد أكبر كم من الحسنات، وكم نحن بحاجة لها، والخاسر من خرج من هذا الشهر الفضيل كما دخله. هي أيام فيها الخير الكثير (لو علمت أمتي ما في رمضان من خير لتمنت أن يكون الدهر كله رمضان). انتهى الشهر فهل انتهى الخير؟، بكل تأكيد لم ينته، فرب رمضان هو رب شعبان وشوال ورب كل الشهور، وإن ميز الله الشهر الفضيل عن باقي الشهور، إلا أنه تعالى رحيم كريم قريب مجيب الدعوات، ليس في رمضان وحده ولكن في كل الأوقات. صحيح أن الأية الكريمة (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب ) جاءت بين آيات الصوم ولكنها كانت عامة في السؤال والجواب، فلم يحدد السؤال الصائمين ولم يحدد الجواب أنه قريب ويجيب دعوة الداعي في رمضان لوحده، بل في كل وقت وفي أي زمان فكان فضل الله علينا كبيرا. إذاً رمضان انتهى، ولكن رب الكون والعباد باق قريب منا أكثر مما نتصور، أقرب إلينا من نَفْسِنا ومن نَفَسِنا. والآيات والأحاديث والأحداث التي تدلل على ذلك كثيرة وعديدة، وقدر الله في ليلة السابع والعشرين من رمضان أن تطرق أحد الإخوة الدعاة إلى هذه الآيات والأحاديث، وذكر من الأحداث والقصص ما هو من قصص الأنبياء والتابعين وكذلك من الواقع المحلي، وتحدث عن معاني ودلالات أن الله قريب من عباده، مؤكداً على ضرورة استشعار هذه المعاني والوثوق منها حتى تتنزل السكينة والطمأنينة في قلوب المؤمنين. فوالله مهما اشتدت المحن ومهما كانت الابتلاءات ومهما ضاقت الدنيا علينا لو دخل اليقين في قلوبنا أن الله قريب مجيب الدعوات، لزالت كل هذه المحن والابتلاءات، ولعوضنا الله ضيق الدنيا بسعة الصدر وبعلو الهامات وبسمو الأرواح. ورغم أن الله قريب منا إلا أننا نحن الذين بحاجة إلى أن نكون قريبين منه، وأن نجتهد بالتقرب إليه عز وجل. وهذا سيتحقق لنا بإذن الله إذا واصلنا في نفس النهج الذي كنا عليه في شهر رمضان من القيام بالعبادات وبنفس الهمة، واسمحوا لي أن أقول أن نستمر بنفس الممارسات الأخلاقية والاجتماعية التي كنا عليها في هذا الشهر، من صلة الرحم وحسن التعامل وكظم الغيظ والعفو عن الآخرين والتغافل عن أخطائهم. وأما العبادات والتي اجتهدنا فيها ما استطعنا إيماناً واحتساباً لا عادة وتقليداً، فلا بد أن نجتهد بمواصلة تأديتها على مدار العام حتى تستمر فينا تلك المعاني والقيم التي اكتسبناها في هذا الشهر، والأهم حتى نزداد تقرباً إلى الله، وليكن شعارنا في باقي العام بعد شهر رمضان: قليل دائم خير من كثير منقطع. فليجتهد كل منا في صيام التطوع والنافلة، وأعرف الكثيرين من المواظبين على صيام أيام الاثنين والخميس وكذلك ما تعرف بالأيام البيض وهي الأيام الثلاثة في منتصف الشهر الهجري وغيرها، ولكنني أقول على الأقل أن نجتهد في صيام يوم واحد على الأقل من كل شهر. ونفس الأمر بالنسبة للقيام، فحبذا لو قامت المساجد بتنظيم صلاة القيام مرة في الشهر، حتى نعود أنفسنا على حب القيام. وأما بالنسبة للقرآن الكريم، فالكثير منا لا يتذكره إلا في هذا الشهر وبعدها يضع المصحف في المكتبة حتى العام القادم، فلماذا لا يكون لنا ورد يومي مهما كان صغيراً؟. ندعو الله تعالى أن نكون من الذين يذكرون الناس فيبدأون بأنفسهم، وأن يقدرنا عز وجل على أن تبقى قلوبنا وأرواحنا وألستنا تلهج بالدعاء تقرباً إليه مستشعرين قوله تعالي: وإذا سألك عبادي عني فإني... قريب...
الثلاثاء، 6 أغسطس 2013
ابتلاء
لا شك أن الأمة العربية تمر هذه الأيام في ظروف عصيبة وتعيش أوضاعاً صعبة، رغم أنها في العامين الأخيرين بدأت تتنشق عبير الحرية والديموقراطية وبدأت تعيش معاني العزة والكرامة. ولأن ذلك لا يروق للكثيرين من دعاة الديموقراطية الزائفة والليبرالية الحاقدة والعلمانية المضللة، قاموا بإغراق المنطقة بأمواج من الاضطرابات المصطنعة والمشاكل المفتعلة والأزمات المبرمجة، فأغرقوا المنطقة بشلالات من الدم، ارتكبوا المجازر وما يزالون في أكثر من قطر عربي، ناهيك عن حملات الاعتقالات وتلفيق التهم بمسميات غريبة. وهنا في غزة ما زالت محاولات التركيع مستمرة ومتواصلة، من خلال الإمعان في الحصار الظالم المفروض على سكان القطاع منذ سبع سنوات أشبه ما تكون بالسنوات العجاف، من إغلاق مستمر للمعاير التجارية، وعدم فتح المنفذ الوحيد لسكان القطاع إلى العالم بصورة تلبي حاجة المرضى والطلبة وكافة فئات الشعب. محن وابتلاءات وأزمات هي التي سادت في المرحلة السابقة، اجتياحات وحروب واغتيالات وتدمير للبنية التحتية والاقتصادية والاجتماعية بصورة متواصلة، واستمرت الهجمة حتى هذه اللحظة بأكثر من مجال، ولا أعتقد أنه آخرها الهجمة الإعلامية الشرسة والقذرة على غزة وحكومتها ومقاومتها. ابتلاءات تعايش معها الشعب وحكومته لأنه يتدبر قوله تعالى (أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا أمنا وهم لا يفتنون)، وصبر عليها لأنه على يقين أن هذه سنة الكون، فإن كان أنبياء الله وهم خيرة خلقه بل الرسول المصطفى عليه وعليهم أفضل الصلاة والتسليم قد تعرضوا لمحن وابتلاءات وفتن ومحاربة من بني جلدتهم وغيرهم، فما بالنا نحن؟! ابتلاءات تحملها أهل القطاع لأنهم يعلمون أن سلعة الله غالية، وأن الطريق إلى الله طريق محفوف بالأشواك والمتاعب. ورغم هذه الابتلاءات إلا أن الشعب أعلنها وعلى لسان رئيس حكومته: (لن تسقط القلاع ولن تخترق الحصون ولن ينتزعوا منا المواقف) وبنفس وهمة المؤمن الصابر المرابط المجاهد المحتسب تحمل الشعب وحكومته هذه الابتلاءات والأزمات، والتي بعضها أسقط حكومات وأربك دولاً. ولكن لأن النية خالصة لله فإن الله يدبر لنا مع كل أزمة مخرجاً منها، فهو السند والعون، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وهو المبتغى والمراد في كل الأعمال ومن كل الناس، فكم علت هتافات: هي لله... هي لله... بين جنبات أحياء غزة وشوارعها، من الكبير والصغير، من الرجال والنساء، من الشباب والشيوخ، من رئيس الحكومة ومن الشعب. وهنا حتى يكتب الله لنا المخرج من هذه الأزمات المتلاحقة، وحتى نستحق نصر الله وتمكينه، فإنني أذكر نفسي وإخواني الوزراء والمسؤولين وجميع المخلصين بأن هي لله تعني أن تكون أقوالك وأعمالك خالصة لوجهه الكريم. هي لله تعني التجرد والبعد عن الأنا والتفرد في القرار. هي لله تعني وشاورهم في الأمر. هي لله تعني تغليب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة. هي لله تعني التواضع مع الآخرين مهماً كانوا. هي لله تعني البعد عن الغيبة والنميمة. هي لله تعني حب واحترام الجميع. هي لله تعني العدل في كل القرارات والأمور. فهي لله يجب أن تكون شعاراً نطبقه لا كلاماً نردده، حينها بإذن الله ستمر علينا هذه الأزمات مهما صعبت بأمن وسلام، كما مرت محن نوح وإبراهيم ويوسف ويونس وموسى ومحمد عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه. وأختم بحديث المصطفى الذي يقول فيه: (أشد الناس بلاءً الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه،..) لذا فأكمل الناس إيمانا أشدهم...إبتلاء...
الخميس، 1 أغسطس 2013
خطبة
(صلينا الجمعة الماضية في مصر، تحدث الخطيب عن الرحمة، كانت الخطبة على وتيرة واحدة، واستمرت لأكثر من ٤٠ دقيقة، لم يأت الخطيب بشيء لا نعرفه، ورغم ذلك لم نمل منها أبداً، بل تمنينا أن يستمر ويواصل في الخطبة، كان يستشهد بالآيات والأحاديث، وكأننا نسمعها لأول مرة، كنت أشعر أن الكلمات تخرج من قلبه، كم نتمنى أن نرى مثل هذه النماذج في مساجدنا) هذه مشاركة نشرتها على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك قبل شهرين تقريباً، وهي حقيقةً خلاصة هذا المقال. ولكنني أردت أن أتوسع فيها قليلاً عساها تلقى آذاناً صاغية وتجاوباً من خطباء الجمعة ومن وزارة الأوقاف. والذي دفعني لذلك كثرة الانتقادات في الفترة الأخيرة على مستوى الخطباء وفحوى الخطبة في نفس الوقت. ونحن نعرف أن الوزارة تجتهد في واجبها إلى أبعد الحدود، ولكن بسبب كثرة المساجد تجد صعوبة في توفير العدد اللازم من الخطباء ذوي الكفاءة. صحيح أن المصلين يذهبون إلى صلاة الجمعة تلبية لأمر الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ..) ولكن من الضروري أن تترك هذه الدقائق التي يقضونها في الاستماع إلى الخطيب أثراً طيباً في نفوسهم وفي تفكيرهم، فتشحنهم الخطبة إيماناً، وتزيدهم تقرباً إلى الله، وتضع تصوراً عملياً، وحلولاً واقعية لأمور دينهم ودنياهم، لا أن تكون هذه الفترة التي يقضونها وهم مستندون إلى أحد الأعمدة أو إلى حائط المسجد مجالاً ليكملوا غفوتهم، فلا يستيقظون إلا إذا نادي المؤذن: قد قامت الصلاة. وهنا لا ننكر أن الحديث أمام الجمهور له هيبته الخاصة، وفي نفس الوقت له قواعده الخاصة، وهذه الهيبة من السهل أن تزول بالممارسة وبالإعداد الجيد وبالتدرب على فنون الإلقاء، فالخطابة فن وأسلوب أكثر منها علم ومحتوى. ومن الواجب أن يعطي الخطيب أهمية كبيرة للخطبة وللمنبر وللمستمعين، يحترم عقولهم، ويتكلم بما هو مفيد ومؤثر، ويتناول قضاياهم الحياتية، ولا يتناول قضايا بديهية أصبحت عند المصلين، على سبيل المثال أن يتحدث في خطبته عن فريضة الصوم وأنها واجبة، فلا أعتقد أنه يوجد بين الحاضرين شخص واحد لا يعرف هذا الأمر. وكذلك من المهم أن يولي عنوان الخطبة اهتماماً كبيراً بحيث تلامس نفسية وواقع وقلوب المستمعين، ويحضر لها تحضيراً جيداً، ويشعر أنها أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة، فيحسن استخدام العبارات والجمل، ويربطها ببعضها البعض بصورة سلسة ومشوقة، مستشهداً بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية والقصص المعبرة، وهنا لا بد من التنويه على أنه من الأجدر التطرق إلى قصص حديثة، ففي عصرنا الحالي من الأمثلة على الوفاء والأمانة والصدق وغيرها من أمور ليس بالقليل، وهذا الاستشهاد يؤكد على أن الخير متواصل وهذه الأمور ليست فقط جزء من التاريخ. والأخطر من ذلك أن يفكر الخطيب أنها خطبة وستمر، ولن يراجعه أحد أو يعلق عليه أحد، بل بالعكس مع الانفتاح الإعلامي الأخير أصبح الجميع ينتقد ويبدي رأيه وتعليقاته بعد كل خطبة. ومن الجيد أن يسخر الخطيب مهارة التحكم في الصوت ولغة الجسد في الوصول إلى قلوب الناس، وهذا الأمر يكون أسهل بالخطابة المرتجلة وليست المقروءة من الورق، وفي هذه النقطة يقول د. محمود عمارة: (إن خطيب الورقة في وادٍ والمستمعون في واد، إنه يسير مع أفكاره المنقوشة لا مع أفكار مستمعيه). ولا بد من إتقان اللغة وقواعدها دون التقعر في الكلام، أو استخدام السجع المبالغ فيه، وكذلك من الأفضل عدم تقليد الآخرين، فاجعل لنفسك بصمتك الخاصة. أمور كثيرة ونقاط عدة يمكن التطرق إليها في موضوع الخطبة وفنون الخطابة، تحتاج من الخطباء إلى المزيد من الاهتمام، فهذا مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي النهاية ربما يكون قد حان الوقت الذي تفكر فيه وزارة الأوقاف وبجرأة بتحديد عدد الجوامع التي تقام فيها صلاة الجمعة، لسد ثغرة قلة الكفاءة، فالمصلون يستحقون مع تأديتهم للفرض أن يستفيدوا باستماعهم إلى..خطبة..
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
