السبت، 19 أكتوبر 2013

خطاب هنية



يرى العديد من نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي أن #خطاب_هنية لم يحمل مفاجأة كانوا يتوقعوها أو ينتظروها، وخصوصا فيما يتعلق بالمصالحة وإنهاء الانقسام، ورغم ذلك عن إيجابيات الخطاب أقول:
* مناسبة الخطاب: فلقد جاء الخطاب في مناسبة عزيزة على الشعب الفلسطيني، ألا وهي ذكرى صفقة وفاء الأحرار وما تحمله من مؤشرات، وأهمها: واجب تحرير الأسرى والاهتمام بهذه القضية الوطنية، وكذلك سيلة التحرير الأنجع والتي يفهمها المحتل ألا وهي المقاومة، بالإضافة إلى كيفية المفاوضات مع الصهاينة.
* توقيت الخطاب: وخصوصاً في هذا الوقت التي بدأت تتأزم فيه الأمور داخليا وخارجيا، وكذلك سير المفاوضات المجهول والذي قد يصل الى تنازلات جديدة، فجاء الخطاب ليؤكد على الثوابت الفلسطينية والتمسك بها، والهجمة الإعلامية الشرسة ضد الشعب الفلسطيني، ووضع فلسطيني الشتات وخصوصاً في سوريا وبعد غرق سفينة اللاجئين الأخيرة والأهم مخطط تهويد القدس من الصهاينة الذي يستغل حالة البلبلة وعدم الاستقرار في العالم العربي للاستمرار في أعماله التخريبية.
* لغة الخطاب: فكانت لغة واثقة بالله وبنصره وتمكينه لعباده مهما اشتدت الأزمات، بها بدأ الخطاب ويها انتهى، وكذلك كانت لغة توافقية تدعو للتعاضد والتعاون والتنسيق التام في القضايا الوطنية وعلى رأسها القدس والأسرى واللاجئين، ولغة شاملة لجميع مكونات الشعب من فصائل وتوجهات مع التأكيد على هوية الحركة وتوجهات الحكومة، ولغة تحفيزية من الإشادة بالمقاومة وبطولاتها، بالشعب وصموده، وبالامة ونصرتها لفلسطين، وبأحرار العالم ومواقفهم الانسانية، وبالشباب وبمبادراتهم الفعالة.
* محاور الخطاب: فلقد شمل الخطاب جميع المحاور المتعلقة بالقضية الفلسطينية وخصوصا الثوابت الوطنية ومن كافة الجوانب السياسية والاقتصادية والإعلامية والقانونية وكذلك الأكاديمية وسبل دعم فلسطين وشعبها. وكذلك البعد العربي والإقليمي والدولي في العلاقات والسند والدعم والتعاون والتأكيد على نصاعة اليد الفلسطينية من أي بلبلة تحدث هنا أو هناك، والأهم الشأن الداخلي والتأكيد المستمر على مد يد الوحدة من جديد ليبقى بإذن الله الشعب موحدا بحكومة واحدة وتشريعي واحد ورئيس واحد وليستمر الشعب في تسخير مجهوداته نحو التحرير الكامل للبلاد والعباد وعسى ذلك أن يكون قريباً.

الأحد، 13 أكتوبر 2013

فرحة


يهل علينا غداً بإذن الله تعالى عيد الأضحى المبارك، ويهل معه الخير الكثير، حيث قارب الحجيج من الانتهاء من مناسك الحج، بعدما اجتمعوا من كافة بقاع المعمورة، ليوحدوا الله ويكبروه ويشكروه على نعمائه، وليشهدوا كذلك منافع لهم، في جو مليء بالإيمانيات، تصفو فيه القلوب، وترتاح فيه النفوس، وتغسل فيه الدموع التي تتساقط من العيون بدون إذن صاحبها، لتطهره من داخله، وتشاركها مياه زمزم الطيبة مما يشربه أو يسكبه منها على رأسه بعد الانتهاء من الطواف، فيرجع كما ولدته أمه خالياً من كل سوء ودرن وضغينة ومتاعب وهموم بإذن الله. ويتسابق الحجيج على إرضاء الله تعالى في هذه الأيام المعلومات، يعظمون حرماته فهم يعلمون علم اليقين أن في ذلك خيرهم في الدنيا والآخرة، ويعظمون شعائره عز وجل، فهم يريدون أن يصلوا إلى مرحلة تقوى القلوب. جاءوا من كل فج عميق، هدفهم واحد، ومقصدهم واحد، ومناسكهم واحدة، وحتى لباسهم واحد، لا فرق بين غني أو فقير، أو بين أمير أو غفير، أو بين أبيض أو أسود، أو بين عربي أو أعجمي، كلهم سواسية لا يتمايزون عن بعضهم في هذه الأيام المباركة إلا بقدر جهدهم واجتهادهم في الطاعات والعبادات والذكر والصلاة. حقيقة هنيئاً لمن قدر الله أن يطوف بالبيت العتيق في هذه الأيام، نعمة ما بعدها نعمة، نعمة يعرف قدرها وعظيم شأنها من جربها وذاق طعم الإيمان بعدها، وشعر بعظمة الإسلام، والأهم استشعر بمعية الله ورحمته بعبيده. يستشعر ذلك وهو يطوف حول الحجر الأسعد، ويزاحم من أجل تقبيله مقتدياً بالمصطفى عليه السلام، يستشعره وهو يسعى بين الصفا والمروة متذكراً معنى التوكل على الله، واللطف الإلهي، وعدم اليأس، وأهمية الأخذ بالأسباب، يستشعره وهو يقف بعرفة يتعارف فيها على أمة محمد صلى الله عليه وسلم، التي جاءت من أصقاع الأرض ليعلنوها من بداية المناسك: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك)، ويبيت بمنى ويرمي الجمرات، ليعلن رفضه للرق والعبودية، ولفظ الشيطان واتباعه وأعمالهم الشيطانية. ويستشعر ذلك وهو ينحر، ليؤكد معه أهمية الامتثال لأوامر الله، والثقة واليقين بأن الله لا يريد لعباده إلا الخير، ولكن عليهم الطاعة وتنفيذ ما يطلبه منا دون التطرق إلى أسباب ذلك، فهو الأرحم بعبيده. وبعدما يتموا الحج يشدون الرحال إلى مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، حيث السكون والهدوء والراحة والطمأنينة، حيث قبر الرسول ومنبره وبيته وما بينهما من روضة من رياض الجنة، وحيث البقيع ومسجد قباء ومسجد القبلتين، وحيث أحد جبال الجنة. ويعود بعدها إلى دياره مغفور الذنب مقبول التوب، تغمره الأمنيات بالعودة من جديد، فقد شعر بفرحة ما بعدها فرحة، لا يفوقها إلا فرحة مصاحبة المصطفى عند الكوثر وفي الفردوس الأعلى، وأعلى فرحة النظر إلى وجهه الكريم جل في علاه.
وأما من لم يُقَدر له تأدية هذه الفريضة، فهو كذلك في نعمة كبيرة، نعمة حصاد الحسنات بالعمل الصالح فيها بطاعة الله وذكره، هذه الأيام ولياليها العشر وصف المصطفى العمل فيها بأعظم من الجهاد. فيها يتقرب المسلمون بصيام أيامها التسعة، وخصوصاً يوم عرفة، والذي فيه يقول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: (صيام يوم عرفه أحتسب على الله أنه يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده)، فهنيئاً لمن قدر الله صيام هذا اليوم، بل هذه الأيام. ويأتي يوم العيد، ويأتي معه إحياء سننه من التكبير، والذي يمتد حتى عصر رابع أيامه، والصلاة في العراء، والنحر، وصلة الرحم. يأتي العيد، ويجب أن يأتي معه التصالح والتصافح والتسامح والتزاور.  وهنا لا بد من التنويه أن العيد هو عيد الأحياء وليس عيد الأموات، والحمد لله بدأت البدع المقرونة بالوفاة تقل في مجتمعنا، فتقريباً اندثرت زيارة المقابر والمكوث فيها طوال يوم العيد، وبقي عند البعض وللأسف الجلوس في البيت لاستقبال المعزين في أول عيد للمتوفى، ولكنها ستنتهي فالوعي بفضل الله بين أبناء شعبنا بازدياد. وأيام العيد أيام يقول عنها رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إنها أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل)، فهي أيام غذاء للروح وللجسد، وأيام شكر لله على نعمائه. وهي أيام للترويح عن النفس، فهي أيام فرح ولهو ولعب وسرور ومتعة بنعم الله، في حدود الأدب والمعقول. وعلى الجميع أن يجتهد أن يدخل البهجة والسرور في نفس عائلته وخصوصاً الأطفال منهم. فرحبوا بالعيد، وغنوا له ما طاب لكم من الكلام، فالعيد فرحة، وأجمل... فرحة...

الخميس، 10 أكتوبر 2013

اجتماع


تعتبر الاجتماعات وسيلة من وسائل إدارة المٍؤسسات مهما كان نوعها، حكومية أو خاصة. ولا يجب أن يختلف الهدف الأساس منها في جميع الحالات، ألا وهو تقدم العمل بهذه المؤسسة. ويتم وضع تصور متكامل للوصول لهذا الهدف (نظرياً) من خلال هذه الإجتماعات. ويكون ذلك إما من خلال التشاور بين المجتمعين لوضع خطة عمل المؤسسة، أو متابعة تنفيذ بنود هذه الخطة في محاورها المتعددة، أو من خلال مناقشة سير العمل في المؤسسة. وكذلك قد يكون الهدف من الاجتماع هو التواصل بين الجهة العليا في المؤسسة وبين الجهة التنفيذية فيها، أو بين الجهة العليا مع بعضها البعض، أي أن الاجتماع يكون على المستوى الرأسي أو الأفقي للمؤسسة، أو قد يكون مع جمهور المؤسسة من جمعيات أو أفراد أو مؤسسات أخرى تتقاطع في عملها معها، أو تستفيد من خدماتها. وفي جميع الأحوال لا يجب أن يكون هذا الاجتماع هدفاً بحد ذاته، لأنه في هذه الحالة سيكون قليل الجدوى، وهذا لا يعني أن الالتقاء بين أفراد المؤسسة بين بعضها أو مع جمهورها أمر غير محبوب، بل بالعكس هو مطلوب لزيادة العلاقات الأخوية، وجلاء الصدور لما قد يكون حل فيها، بسبب اختلاف الأراء الطبيعي في العمل، وما يتبعه من إشكالات بسيطة، ولكن هذا لا يعتبر اجتماعاً وإنما لقاءً اجتماعياً أو احتفالاً أو علاقات عامة، بالتالي المقصود هنا هو الاجتماع الرسمي الذي قد ينتج عنه قرارات أو توجهات مستقبلية تخص المؤسسة وقطاع عملها. وهنا أضع بين أيديكم بعض النقاط الأساسية حتى يكون الاجتماع مثمراً وفعالاً وذا فائدة، وبهدف الاستفادة من الوقت المخصص له بأكبر قدر ممكن، فالوقت من ذهب كما يقولون. علماً أن إدارة الاجتماعات وأدبياتها أصبحت فناً وعلماً، يحرص المتميزون على إتقانه والإبداع فيه، وذلك لأنهم يحرصون على حصد الثمار بأقل جهد ووقت ممكن. وفيما يلي بعض هذا النقاط، وهي تتعلق بما قبل أوأ ثناء أو بعد الاجتماع، ولديكم المزيد:
 -وضع هدف للاجتماع، والتفكير به جيداً مع من تثق بقدرتهم وكفاءتهم وأمانتهم، وبناءً عليه يتم تحديد المشاركين في الاجتماع.
- عدم الإكثار من عدد المدعوين، لإن ذلك قد يؤدي إلى صعوبة إدارة الاجتماع، واستهلاك وقت أكبر في مدته، وخصوصاً إذا ما أراد الجميع الإدلاء بدلوهم في كل بند من بنود الاجتماع.
- اختيار الزمان والمكان المناسبين لعقد الاجتماع، لتوفير بيئة عمل مريحة، تساعد على الإنتاجية.
- وضع جدول أعمال، وجدولة زمنية لكل بند، وإلا فستكون نتيجة الاجتماع مجرد دردشات.
- توزيع جدول الاعمال مفصلاً قدر الإمكان بوقت كافٍ حتى يستطيع الاعضاء تدارسه قبل الاجتماع.
- تجهيز مكان الاجتماع بكل ما هو مطلوب من أوراق ومستندات وخدمات لوجستية قبل الاجتماع.
- احترام وقت الجميع، والبدء فور اكتمال النصاب القانوني، وذلك عندما يحين الوقت المحدد للاجتماع.
- الترحيب بالحضور، والحرص على إضفاء جو ودي، دون الإخلال برسمية الاجتماع، أو التقليل من احترام المكان أو الحضور.
-التقليل من بند ما يستجد قدر الإمكان، ففي الغالب أي قرار يلزمه التحضير المسبق فيما يتعلق بكل جوانبه وتبعاته: الإدارية والفنية والمهنية والمالية والقانونية.
- تقليل عدد مرات تخديم الضيافة أثناء الاجتماع، لأن كثرتها قد يسبب بلبلة، وفي المقابل عدمها قد يسبب الملل.
- العمل على إشراك وتفاعل أكبر عدد ممكن من الحضور.
- ترك المتكلم يدلي برأيه، ولكن بدون إسهاب، وبدون مقاطعة، واللباقة بعدم السماح بتكرار ما تم قوله من الآخرين.
- عدم السماح بالكلام الجانبي، وإلا سيفقد الاجتماع أهميته، وعدم السماح برفع الاصوات مهما كان السبب.
- الاستعانة بالوسائل التوضيحية الحديثة من برامج عرض قدر الإمكان.
- الخروج بقرارات واضحة غير قابلة للتأويل.
- توضيح المطلوب من كل عضو، بحيث يخرج كل واحد من الحضور وهو على معرفة تامة بالمهام التي وكل بها.
-العمل على طباعة محضر الاجتماع مفصلاً، وتوزيع التوصيات والقرارات على الحضور.
-جدولة تنفيذ التوصيات والقرارات، ومتابعة تنفيذها في المواعيد المحددة لها.
هذه بعض النقاط، وغيرها كثير، من المناسب الأخذ بها إذا أردت أن يكون كل اجتماع تديره هو أفضل وأنجح... اجتماع...

الاثنين، 7 أكتوبر 2013

إتقان



تتقدم الدول وتحجز مكانها ضمن الدول العظمى لعدة مسببات، وقد يكون مكانها على قدر قوتها الاقتصادية والإنتاجية. وهذا القدر وهذه المكانة لم تتحقق لها إلا بعد أن سخرت كل طاقاتها وإمكاناتها ليكون جميع أفرادها منتجين ومبدعين في عملهم، وليس فقط في توفير فرص عمل لهم، فهم يعلمون أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضة. هذا العلم ترجمه أفراد هذه المجتمعات إلى واقع، فتراهم يتسابقون نحو التميز، والذي لا يتحقق لهم إلا لأنهم أدوا أعمالهم بقدر كبير وعالٍ من الحب والانتماء والمهنية، فتحقق لهم السبب الأساس وراء التميز ألا وهو: إتقان العمل. وهذا الأمر ليس ببعيد عن مفاهيمنا ومعتقداتنا ومبادئ وتعاليم ديننا الحنيف، فكلنا يحفظ الآية الكريمة التي يأمرنا فيها الله سبحانه وتعالى بالعمل، ويعقب لنا بعدها مباشرة أن هذا العمل مراقب ومتابع وسيراه الجميع، وأولهم الله جل في علاه، فبالتالي يجب أن يكون على أحسن وجه: (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون). وكلنا يحفظ كذلك حديث المصطفى عليه الصلاة والسلام: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه). وفي هذا الجانب، وعن مدى احتياجنا ليس للعاملين بل للمتقنين أعمالهم، يقول المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين في إحدى رسائله: (والمجتمعات الإسلامية، ومصر منها، في تعطُّش وظمأ لهذا النوع من العمال والموظفين المخلصين المتقنين لأعمالهم؛ لكي تنهض من كبوتها وتتقدَّم من تخلُّفها، وتصير كما كانت في سالف عهدها خير أمة). حقيقة كم نحن بحاجة إلى هذا النوع من العمال والموظفين مهما كانت طبيعة عملهم، ومهما كانت درجتهم الوظيفية. وقد يستطيع العاملون أن يقنعوا مسؤوليهم بأنهم يعملون بإتقان، ولكنهم نسوا (فسيرى الله...) فعين المسؤول قد تغفل عنك، ولكن عين الله تراقبك، وستحاسبك يوم لا ينفعك بعد رحمة الله إلا صالح أعمالك. فالمراقبة الذاتية هي أول عوامل تحقيق إتقان العمل. وثاني هذه العوامل هو حب هذا العمل مهما كان، فأنت عندما تحب عملك ستنجح فيه، وستؤديه على أحسن وجه، بل وستكون مميزاً فيه، ومخرجات هذا العمل المتقن ستكون واضحة للعيان، وستتحدث عن نفسها. وعلى النقيض، تجد من يذهب لعمله وهو كاره له، يشعر بحمل ثقيل على كاهله، ويصدق فيه الوصف القرآني: (كأنهم يساقون إلى الموت). وكم تكون سعادتي عندما أذهب إلى إحدى المؤسسات التي عملت فيها، وأرى مراسلها، والذي بالفعل على بساطة عمله إلا أنه أحبه فكان مميزاً فيه، ويؤديه بأريحية تامة وبابتسامة تزين كل ما يقوم به من أعمال. أمر ثالث يساهم في إتقان العمل القناعة بالواقع الوظيفي والمردود المالي لهذا العمل الذي تقوم به. فقد انتشرت وللأسف في الفترة الأخيرة بين بعض الموظفين جملة (على قدر ما بيعطوني بأعطيهم)، أو (أنا محبط لأن درجتي الوظيفية لم تتغير) فتراه يؤدي عمله على عجل، فلا يتم إنجازه بالصورة المطلوبة، أو على استرخاء شديد، فيعذب الآخرين معه ويعطل  مصالحهم، ونسي أن الله سيحاسبه على ذلك. وهنا فإنه غَلَّب وللأسف مكافأة البشر على محبة رب البشر، بل قد يكون نسي: (وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئُكم بما كُنْتُمْ تعملون). وبكل تأكيد أهم عوامل إتقان العمل المهنية والمتابعة الدائمة لآخر التطورات في مجال العمل، وكذلك تطوير الذات والقدرات، وإن لم يكن من خلال المؤسسة التي تعمل بها، فليكن بصورة ذاتية. هذه هي بعض الأمور التي تساعد على إتقان العمل لتساهم في نهضة الأمة وتقدمها ورقيها، ولكن يبقى قبل كل هذا وبعده  أمر هام، ألا وهو استحضار النية وعقدها بأن يكون إتقانك لعملك تقرباً لله عز وجل، حتى تحصل على الأجر والأُجرة بإذنه تعالى.
واسمعوا إلى أمير الشعراء في خطابه للعمال: أيها العمال أفـنوا العمر كداً واكـتساباً
وأعمروا الأرض فلولا سعيكم أمـست يباباً
أتقنوا يحببكم الله ويرفعكم جـنابا
إن للمـتقن عند الله والناس الثوابا
فهي إذن دعوة مفتوحة للجميع: لا تنظروا الشكر والثناء وقبول العمل إلا من رب العالمين، ولأنه تعالى الذي أتقن كل شئ فأدوا عملكم بمهنية و...إتقان...

الأربعاء، 2 أكتوبر 2013

لوامة



يعيش الإنسان في حياته بين تجاذبات الخير والشر، الحق والباطل، الهدى والضلال. الصح والخطأ، وهو في هذا المشوار يميل إلى هذا الجانب أو ذاك حسب ما تقوده نفسه وتسول له، وحسب ما تبرره له من إيجابيات أو سلبيات هنا وهناك. وفي نفس الوقت حسب ما يوجهها هو إلى الفجور أو إلى التقوى، (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها)، وحسب ما يقرره هو بسلوك طريق الفلاح، والوسيلة واضحة: (قد أفلح من زكاها)، أو أن يتخذ طريق الخيبة، ونفس الأمر هنا فالطريق جلية: (وقد خاب من دساها). ولقد تطرق القرآن الكريم إلى تصنيف النفس، فكانت على الوجه الأساس تنقسم إلى ثلاثة أنواع: الأمارة بالسوء، والمطمئنة، واللوامة. فأما النفس الأمارة بالسوء، فهي نزعة غالبة على البشر، إلا من رحم الله، وجعله يتغلب على هواه. وهنا يظهر الفرق بين شخص وآخر، بين الذي ينتصر على نفسه، ويقودها هو إلى الخير والرشاد والفلاح، وبين من تقوده هي إلى الشر والضلال والكساد، فيصبح كالأنعام التي يقودها الراعي حيث يشاء، بل أضل سبيلاً، (وما أبرئ نفسي، إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي). ولأن النفس جبلت على حب الشهوات والملذات والمغريات الدنيوية وما أكثرها، لذا فإن مجابهتها ومجاهدتها بالبعد عن هذا الطريق المغري ليس بالأمر السهل ولا بالهين. وعلى قدر الانتصار على النفس يكون مستوى الإيمان، وهذا الانتصار يكون بتعويدها على فعل الخيرات بشتى أنواعها، والاستمرار على نهج إصلاح الذات وتقييمها أولاً بأول، حتى لا تحيد عن السراط المستقيم. لذا من الضروري إرغام النفس على الخير، فهي إن لم تعودها على الخير دعتك إلى الشر وزينته لك، وإن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل، وإن لم تأمرها بالطاعة جرتك إلى المعصية، وإن لم تقدها إلى المعروف أبعدتك عنه. وأما النوع الثاني من النفس فهي في عباد الله في الدنيا، وفي جنته في الآخرة. هي النفس المؤمنة بالله وبقضائه وقدره، لذا دخلت السكينة فيها، وحل الوقار عليها، واتصفت بالهدوء والاطمئنان، فهي راضية بحكم الله وبحالها وبما هي عليه، لا تسعى إلا للخير وبالخير، فحق لها أن تكون مرضية عند رب العالمين. وعلى النقيض من النفس الأمارة بالسوء النفس اللوامة، التي تذكر صاحبها بيوم القيامة، الأولى تقول أيان يوم القيامة؟، أما هذه فموصولة بيوم القيامة، وحساب يوم القيامة، (لا أقسم بيوم القيامة، ولا أقسم بالنفس اللوامة). ارتباط جعل من صفات النفس اللوامة أنها في صراع دائم مع ذاتها في كافة المجالات وخصوصا في قضايا الثواب والعقاب، وواقع الدنيا والآخرة. وتتضح طبيعة هذه النفس ويتضح معها صدق نواياها عندما يكون هناك تضارب بين المصلحة الخاصة والعامة، وبين فعل الخير وفعل الشر. فهي دائمة التذكير لصاحبها بزجره عن هواه، وبثنيه عن طريق الضلال، لا تقبل أن يحيد قيد أنملة عن الجادة، بل تطلق له صافرة الإنذار عند أي هفوة بسيطة، أو عند ارتكابه أي خطأ، صغيراً كان أو كبيراً، وسواء كان مقصوداً أو غير مقصود. وهنا من باب التذكير أود التنويه إلى أن نفوساً عديدة حملت أرواحها بين أيديها في زمن التحديات والصعاب، ولكن بعضها تراجع قليلاً إلى دنياه، عندما بدأت قلة تنزل عن الجبل لتحصد غنائم محدودة وموقوتة، ونسيت أن راحتها وقوتها وعزتها وكرامتها كانت عندما باعت الدنيا بما فيها رخيصة في سبيل الله. هذه النفوس هي نفوس لوامة، لا صعوبة بتاتاً أن تعود إلى أصلها بقليل من الجهود المخلصة، وبتقديم القدوة العملية ممن هم أهل القدوة، والمجتمعات على أديان أسيادها، وأسياد هذا الزمان والمكان باعوها لله، فهل ستعود هذه النفوس إلى التجارة الرابحة، وهل سترجع إلى ربها راضية مرضية!؟ عسى أن يكون ذلك قريباً قريبا. وهذا السؤال وهذه الأمنية من باب عدم القبول بأي مرتبة أدنى من المثالية، فالمبتغى رضوان الله. ومن باب زجر النفس والبعد عن الإعجاب بالذات، فهذا من المُهلكات، التي يحددها المصطفى عليه الصلاة والسلام في حديثه: (ثلاث مهلكات شح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه). لذا فيا فوز من انتصر على نفسه وهواها، فأصبحت مطمئنة راضية مرضية أو ...لوامة...

الاثنين، 30 سبتمبر 2013

تواضع


يعيش الإنسان في حياته باذلا ً كل جهده كي يرتقي من مكانة لمكانة، وينتقل من درجة إلى درجة في السلم الوظيفي أو المجتمعي. ومع هذا الانتقال والارتقاء تزداد مسؤولياته، ويزداد حجم العمل المطلوب منه، ويزداد معها حجم الأمانة الملقاة على كاهله. هذا الارتقاء وهذه المسميات الجديدة للمسؤولين لا يجب أن تزيدهم إلا يقيناً بأن ما أصابهم من نعمة فهو بتوفيق الله وبتيسيره عز وجل، وبالتالي يجب أن يزداد عطاؤهم، وأن تزداد أخلاقهم رفعة وسمواً. وقمة الأخلاق في هذا المجال هو التواضع، عملاً بالقاعدة الكونية: (من تواضع لله رفعه). إذن التواضع لله مع الموظفين ومع المراجعين، حتى تستمر النعمة التي هو فيها، بل تزيد وتنمو. والتواضع بكل تأكيد يشيع جواً من الحب والاحترام والتفاهم والتسامح كذلك. ولكن وللأسف في بعض الأحيان، تجد أن الواقع عكس ذلك، فما أن يتم تكليف البعض (وخصوصاً أصحاب النفوس الضعيفة) بمسؤولية جديدة، إلا وتجد أن طريقة معاملته مع الآخرين بدأت تتغير، فيبدأ بإلقاء الأوامر هنا وهناك، وبنبرة فيها نوع من التعالي، ويبدأ برفض مقابلة هذا أو ذاك، من باب التنويه أنه أصبح رجلا ً مهماً، أو يجعل مرؤوسيه أو المراجعين ينتظرون على بابه، حتى يبدو لهم أنه مشغول بحل قضايا الأمة، ونسي أنه بالأمس القريب كان ينتقد مثل هذه التصرفات. هذه التصرفات التي تخرج صاحبها من التواضع، وتضعه في فئة المتكبرين، لذا فاسمعوا ماذا ينتظرهم بناءً على قول رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام: (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر). وعلى النقيض فإن المتواضعين لهم مكانة عالية عند رب العالمين، يقول جعفر الصادق: (أحب الخلق إلى الله المتواضعين)، وفي الآخرة ليس لهم مكان إلا الجنة. وما أجمله من تشبيه  للمتواضعين وللمتكبرين بالسنبلة، كلما كانت فارغة كلما كانت منتصبة، ويزداد انحناؤها كلما زاد الخير فيها والمنفعة، أي كلما كبرت ونضجت حبات القمح فيها. وجاء في كتاب الروح لابن القيم تعريف جميل للتواضع، حيث يقول: (هو انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة بعباده، فلا يرى له على أحدٍ فضلاً، ولا يرى له عند أحدٍ حقاً، بل يرى الفضل للناس عليه، والحقوق لهم قِبَلَه، وهذا خلُق إنما يعطيه الله عز وجل من يحبُّه، ويكرمه، ويقربه.) وهذه الكلمات لوحدها تجعلنا نحرص على هذه الصفة، صفة الأنبياء والصالحين والأتقياء. وعلينا جميعاً وخصوصاً المسؤولين، مراجعة ذاتية لتصرفاتنا وأفعالنا وأقوالنا، وأن نحرص على زيادة هذه الصفة في نفوسنا حتى تصبح ركيزة في حياتنا، وهذا يكون بالاستماع إلى الآخرين مهما كانت درجتهم، والجلوس مع الجميع دون التقيد بالرسميات والأمور الشكلية، وكذلك التواصل مع كافة الفئات دون تمييز، ومشاركتهم مناسباتهم قدر الإمكان، وأمور أخرى تساهم في محو الكبر والكبرياء والتكبر من النفس بصورة كاملة. ورحم الله الشيخ الشعراوي الذي أراد أن يؤدب نفسه، ويعيدها إلى تواضعها المحمود، بعدما تم تكريمه من الطلاب في إحدى الجامعات المصرية، ولما شعر أن نوعاً من الغرور أو الكبر دخل في نفسه، أوقف مركبته أمام مسجد الحسين لينظف حماماته بيده، ليمحو ما أصابها من مرض عارض، وليذكرها بحقيقتها، فتعود إلى تواضعها المنشود. ومع هذا كله فإن التواضع يصبح مذموماً وغير مقبول في بعض الأحيان، وخصوصاً مع الأعداء، بل إن المحمود حينها هو الخيلاء والتبختر، وفي ساحات القتال على وجه الخصوص. وكذلك فإن التواضع مع المسؤول الظالم غير مقبول، حيث أن ذلك يعتبر مداهنة، وسنداً له في تماديه بظلمه. وكذلك لا يجب أن يظهر المتواضع بمظهر الضعيف، فحينها تنقلب الإيجابيات إلى سلبيات. وأخيراً هي كثيرة الفوائد المرجوة من هذه الصفة الحميدة، ليس بأقلها أنه لا رفعة ولا تميز في الدنيا والآخرة بلا ... تواضع...

الخميس، 26 سبتمبر 2013

إخوان


بداية لا أقصد بعنوان المقال الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين، وإن كان محتواه سيتطرق بكلماته المتواضعة إلى أحد ركائز هذه الجماعة، وأحد أركان بيعتها العشرة، التي يلتزم بها أبناؤها، بناءً على دعوة مؤسس الجماعة الإمام حسن البنا رحمه الله، والتي يبايعون الله على الوفاء بها، وتطبيقها في حياتهم، لينالوا خير الدنيا والآخرة. وإنما أريد من هذا العنوان الصفة التي يجب أن يتصف بها أبناء المجتمع، والحالة التي يجب أن يكونوا عليها، من تآخي يؤدي إلى شيوع حالة التعاضد والتكافل والتسامح والتكامل، حتى يكون مجتمعاً متراصاً قوياً منتجاً، وليس مجتمعاً متناحراً متناخراً  ومتفكك الأوصال والروابط، تتداعى عليه الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها. وكلنا يعلم أن أول عمل قام به المصطفى عليه الصلاة والسلام في المدينة هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، فهو أول تشريع أقره ونفذه عليه الصلاة والسلام، ليكون أول دعائم وركائز الدولة الفتية، وليؤكد من خلاله أن قوة المجتمع تكون بالاندماج التام والشامل بين أفراد المجتمع، اندماج لا يعرف فرقاً بين قوي وضعيف، أو أبيض وأسود، أو غني وفقير. وما أعظمه من اندماج قائم على تطبيق هذا المبدأ الأساس في رفعة الأمة وتقدمها وقوتها، ألا وهو مبدأ الأخوة. وهنا أود التنويه إلى نقطة هامة، ألا وهي أن الشيطان وأعوان الشيطان يحاولون أن يدسوها بين أبناء الشعب الفلسطيني الواحد، فكل فترة وأخرى تظهر في الميدان نعرة (ضفاوي وغزاوي)، أو الأدهى من ذلك (مواطن ولاجئ)، وهذا باب من أبواب التفرقة بين أبناء الشعب الواحد والمجتمع الواحد، والذي يتنافى مع مبدأ الأخوة، بل مع مبدأ وصفة الإيمان، وذلك تأكيداً لما جاء في قوله تعالى: (إنما المؤمنون أخوة). هذه هي العلاقة الوطيدة والرابطة المتينة التي يجب أن تكون بين أفراد المجتمع، ليس أخوة النسب، ولا أخوة العشيرة، أو القرابة، بل أخوة الدين المبنية على المودة والرحمة، والقائمة على أسس الإيمان. وعودة إلى الفكر الإخواني القائم على الشريعة السمحاء، يقول الإمام البنا في رسالة التعاليم عن ركن الأخوة: (وأريد بالأخوة: أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها، والأخوة أخت الإيمان، والتفرق أخو الكفر، وأول القوة: قوة الوحدة، ولا وحدة بغير حب، وأقل الحب: سلامة الصدر، وأعلاه: مرتبة الإيثار). وهنا لا بد من الحرص والمحافظة على رابطة الأخوة، فإن تعززت في النفوس تلاشت أمامها كل المشاكل والخلافات، وإن تزعزعت بدأت الفرقة تدخل بين النفوس، وبدأ انهيار المجتمع وبنيانه. والمجتمع المتآخي كالبنيان المرصوص، المتكامل الأركان، بل إن أفراده يصبحون كالجسد الواحد، يحمل بعضهم بعضاً، ويؤازرون بعضهم في السراء والضراء. ويعيشون بنعمة الله سبحانه وتعالى (فأصبحتم بنعمته إخوانا)، بل ويدعون لبعضهم بالخير والمغفرة (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)، فإن تحققت فيهم هذه المعاني والقيم فجزاؤهم عند ربهم في جناته (إخواناً على سرر متقابلين). وعن الأخوة الحقة يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه؛
إن أخاك الحق من كان معك...ومن يضر نفسه لينفعك...ومن إذا ريب الزمان صدعك...شتت فيه شمله ليجمعك. هذه هي الأخوة التي تظهر واضحة في وقت الأزمات والشدائد، فهي التي تكشف لك عن حقيقة إخوانك، الذين يزدادوا قرباً منك في وقت الضيق، ولا يتركوك لوحدك تواجه الأزمات. وحتى لو لم يقدموا لك حلولاً لما تمر به من مشاكل، فإنهم بوقوفهم بجانبك يرفعون من معنوياتك، لتستشعر حينها قيمة ومعنى الأخوة. لكل ما سبق فإن دعوتي إلى جميع أبناء فلسطين المرابطين، بل لكل البشرية، ليتحقق لهم خير الدنيا والآخرة، هي تطبيق وصية رسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام: كونوا عباد الله... إخوانا...